تقاس عظمة الإنسان بأخلاقه

تقاس عظمة الإنسان بأخلاقه

لقد عرف عن العرب وغيرهم التحلي بالصفات النبيلة، والأخلاق العظيمة من الكرم، والشجاعة، والمروءة، والعفة، والشهامة، والنجدة، وعلو الهمة، والوفاء بالعهود، وحفظ الجوار، وغيرها من جميل السجايا، وكريم الخصال، وجاء الإسلام مؤكداً ومعززاً لها، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "، لأن إكمال ما يحتاج إليه البشر من مكارم الأخلاق، وغرسه في نفوسهم رحمة لهم في الدنيا، ومنزلة عليا لهم في الآخرة، وتقاس عظمة الإنسان بأخلاقه، فما أجمل هذه التربية وهذه الصفات إذا تخلق بها النشء، وانتشرت في المجتمع.

إننا نعيش اليوم في مجتمعنا أزمة حقيقيّة ، أزمة لا يعلم عواقبها إلاّ الله تعالى ، وقد تتصوّرون أنّها أزمة اقتصاديّة ، وقد تتصوّرون أنّها أزمة مواطن تدنّت لديه المقدرة الشّرائيّة ، أو قد تتصوّرون أنّها أزمة سياسيّة ، أو قد تكون كذلك أو غير ذلك ، ولكن الأزمة الأعظم في هذا الخضمّ كلّه هي أزمة الأخلاق ، نعم إنّنا نعيش اليوم أزمة قد مسّت الجميع دون استثناء ، تكشّفت على إثر الثّورة بسبب التسيّب والانفلات في كلّ المستويات ، وتبيّن بالمعاينة أنّ غياب الرّقابة والحزم ، يؤدّي بالضّرورة إلى الانحلال الأخلاقي والقيمي إلا ما رحم الله ، وإذ لا بدّ أن نضع أيدينا على الدّاء ، خاصّة إن كان عضالا ، حتّى نبذل قصارى جهدنا لاستئصاله والقضاء عليه ، أو على الأقلّ الحدّ من انتشاره ، لأنّ بقاء الأمم من زوالها رهين أخلاقها ، والقرآن شاهد على الأمم التي أبادها الله بسبب فسقها وانهيار أخلاقها .

أتدرون لماذا بعث النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وسلّم ؟ إنّه القائل :" إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق " فبعثته تهدف إلى إتمام مكارم الأخلاق قبل كلّ شيء ، وفي الاتمام دليل على أنّ القيم الأخلاقيّة متأصّلة في الإنسان وفطريّة وضاربة في التّاريخ ،كما أنّها ضروريّة ضرورة الماء والهواء ولكن الطّامّة الكبرى لو أنّها تندثر مع الحضارة والمدنيّة الزّائفة ، والطّامّة الأكبر لو يخوّن الأمين، ويؤمّن الخائن ، ويسند الأمر إلى غير أهله ، المصيبة الكبرى لو يرفع الفسّاق إلى مراتب النّجوميّة الكاذبة ويصبحون أصحاب المليارات ، في حين أنّ العلماء الأجلاّء والصّادقين المخلصين لا يؤبه لهم ، لعلّه الزّمن الذي تنبّأ به سيّد الخلق فأصبح المعروف فيه منكرا والمنكر معروفا .

لكن أين نحن من هذا الذي جاء به سيّد الأنبياء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أين نحن من أخلاق النبوّة؟ حقا إنّنا نعيش اليوم أزمة أخلاق في كلّ المستويات ، وكلّ هذا بسبب ضعف الوازع الدّيني ، فلا يمثّل الدّين مرجعيّة ولا رادعا ولا موجّها والسّبب الرّئيسيّ في ذلك التّيه والضّياع، هو غياب القدوة في كلّ المجالات الاجتماعيّة، بدءا بالأسرة الى آخره ، فقيمة الرّمز والمرجعيّة قد تلاشت في مجتمعنا فلم نعد نرى " كبير لأى إنسان إلا ما رحم الله " ولم يعد للمعلّم سطوته التي كان عليها وبالمنهج النّبويّ لم نعد نرى أثرا لحديث "كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته".

إن صلاح الأخلاق عامل رئيس في قوام المجتمع وبنائه وصلاحه ، فإذا شاعت في المجتمع الأخلاق الحسنة من الصدق والأمانة والعدل والنصح أمن الناس وحفظت الحقوق وقويت أواصر المحبة بين أفراد المجتمع وقلت الرذيلة وزادت الفضيلة وقويت شوكة الإسلام ، وإذا شاعت الأخلاق السيئة من الكذب والخيانة والظلم والغش فسد المجتمع واختل الأمن وضاعت الحقوق وانتشرت القطيعة بين أفراد المجتمع وضعفت الشريعة في نفوس أهلها وانقلبت الموازين ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ؛ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ؛ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ؛ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ؛ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ؛ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ “. رواه أحمد والطبراني .

وإننا لو نظرنا إلى حياتنا المعاصرة لوجدنا انفصالا بين ما نقرأه ونتعلمه ونتعبد به ، وبين ما نطبقه على أرض الواقع ، وسأحكي لكم قصة تدل على مدى الانفصام والانفصال بين النظرية والتطبيق: شاب يعمل في دولة أجنبية، فأعجبته فتاة أجنبية فتقدم لخطبتها وكانت غير مسلمة، فرفض أبوه لأنها غير مسلمة، فأخذ الشاب مجموعة من الكتب تظهر سماحة الإسلام وروحه وسلوكياته وأخلاقه ثم أعطاها لها، طمعاً في إسلامها والزواج منها، فطلبت منه مهلة شهرين تقرأ الكتب وتتعرف على الإسلام وروحه وأخلاقه وسماحته، وبعد انتهاء المدة تقدم لها فرفضته قائلة: لست أنت الشخص الذي يحمل تلك الصفات التي في الكتب، ولكني أريد شخصاً بهذه الصفات .

إن بناء الشخصية على أساس من القيم والأخلاق الرفيعة، تكون منذ نشأة الإنسان وصغره وتعلمه، وما العلم في جوهره إلا تجسيد للأخلاق، وإعلاء للقيم، وقد ربط الإسلام بين العلم والأخلاق رباطاً وثيقاً، وجاءت المبادرة السامية لتدريس التربية الأخلاقية ، مستمدة قوتها من تعاليم الإسلام السمحة وقيمه النبيلة، لتعيد للإنسان توازنه في هذا الزمان، وإن إدراجها ضمن المناهج والمقررات الدراسية ، هو دعم للعملية التعليمية، لتنشئة جيل واع، يتزود بالإيمان، ويتمسك بالأصالة والقيم والمبادئ، ويتخذ من العادات والتقاليد الأصيلة ، سبيلاً وطريقاً ومنهجاً، تغلب عليه مفردات التسامح والمحبة، واحترام الآخر دون تفريق أو تمييز للون أو ملة أو عرق أو دين، وترتقي بهم إلى أعلى القيم والأخلاق .

وكذلك التربيه على قيم الآباء والأجداد، لتزرع في هذا الجيل حب الانتماء للوطن، والحرص على رفعته وتقدمه، وهذه التربية الأخلاقية تسهم في تكامل الفرد معرفياً وأخلاقياً وذهنياً، فيتشربها أبناؤنا الطلاب لترافقهم وتلازمهم في جميع تعاملاتهم ، وكذلك ، أهمية تفعيل الدور المشترك للمؤسسات التعليمية والتربوية في إعداد النشء وتربيته، وبناء شخصيته الفاعلة والطموحة، حيث يتعاظم دور الأسرة في هذه المرحلة أكثر من أي مرحلة سابقة، وكذا دعم الجهود المدرسية لدى الأبناء للالتزام بالأخلاق الفاضلة، التي نحافظ بها على حضارتنا.

إن العامل الأكبر في انتشار الإسلام في عصر النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف الصالح إنما هو مكارم الأخلاق الكريمة التي لمسها المدعون في هذا الجيل الفذ من المسلمين، سواء كانت هذه الأخلاق في مجال التجارة من البيع والشراء، مثل الصدق والأمانة ، أو في مجال الحروب والمعارك، وفي عرض الإسلام عليهم وتخييرهم بين الإسلام أو الجزية أو المعركة، أو في حسن معاملة الأسرى، أو عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان، هذه الأخلاق وغيرها دفعت هؤلاء الناس يفكرون في هذا الدين الجديد الذى يحمله هؤلاء، وغالبًا كان ينتهي بهم المطاف إلى الدخول في هذا الدين وحب تعاليمه، ومؤاخاة المسلمين الفاتحين في الدين والعقيدة .

وينبغي على كل فرد من أفراد المجتمع أن يبادر ويسارع إلى خدمة وطنه ومجتمعه وبني جنسه ، ولنا القدوة في سلفنا الصالح رضي الله عنهم فقد كانوا دوما في سباق إلى الخيرات ومساعدة ذوي الحاجات والمعدمين ، فهذا أبوبكر الصديق رضي الله عنه الذي ما وَجَد طريقاً علِم أنَّ فيها خيرًا وأجرًا وخدمة للمجتمع إلاَّ سلَكها ومشَى فيها، فحينما وجَّهَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أصحابِه بعضَ الأسئلةِ عن أفعالِ الخيرِ والخدمة اليومية لأفراد المجتمع، كان أبو بكرٍ الصديق هو المجيب، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ” مَن أصبحَ مِنكُم اليومَ صائمًا؟ “، قال أبو بَكرٍ: أنا، قال: ” فمَن تَبِع مِنكم اليومَ جنازةً؟”، قال أبو بكرٍ: أنا، قال: ” فمَن أَطْعَم منكم اليومَ مِسكينًا؟ “، قال أبو بكر: أنا، قال: ” فمَن عادَ مِنكم اليومَ مريضًا؟”، قال أبو بكر: أَنا، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ” ما اجْتمَعْنَ في امرئٍ إلاَّ دخَل الجَنَّةَ .” رواه مسلم .

الكلمات المفتاحية تقاس عظمة الإنسان بأخلاقه

مقالات مشابهه

من قسم آخر


التعليقات

ضعي تعليقَكِ هنا

التقيمات

راديو القمة

radio

فيس بوك

a
;