نوح عليه السلام على جبل الجودى

نوح عليه السلام على جبل الجودى

نبى الله نوح عليه الصلاة السلام، كانت حياته حياة شاقة مريرة، ومحنته مع قومه محنة شديدة أليمة، فقد أقام بينهم قرونا طويلة، فلم ير إلا آذانا صمًّا وقلوبا غُلفا وعقولاً متحجرة، لقد كانت نفوسهم أيبس من الصخر، وأفئدتهم أقسى من الحديد، لم ينفعهم نصح أو تذكر، ولم يزجرهم وعيد أو تحذير ، وكلما أزداد لهم نصحا ازدادوا له عناداً، وكلما ذكرهم بالله زادوا ضلالاً وفساداً ، لا يلتفتون إلى دعوة الناصح لهم ولا يبالون بتحذيره وإنذاره وقد مكث تسعمائة وخمسين عاماً داعياً ومذكرا وناصحاً، وسلك عليه الصلاة والسلام جميع الطرق الحكيمة معهم لإنقاذهم من الكفر والضلال، وإبعادهم عن عبادة الأصنام والأوثان .

وكانت دعوته لهم ليلاً ونهاراً، سراً وجهراً، ومع ذلك لم تلن قلوبهم، ولم تتأثر نفوسهم، ولم يقبلوا بالحق أو يؤمنوا بالله ورسوله ، وإن نوحا كان من أنبياء الله الصادقين والذي أخبر قومه بأنه لهم نذير مبين ، ولم يخفِ على الناس تعليمه الحقيقي أبدًا بل يقدم لهم كل ما يؤمر به شاءوا أم أبوا ، لذلك فإن إنذاره القوم لا يبعث على القنوط واليأس فيسلمهم للهلاك والدمار بل إنه يزيدهم يقظة وصحوة ونهوضًا ، ويخبر القوم عن سبيل النجاة من العذاب .

فقال لهم ألا تعبدوا إلا الله وامتنعتم عن الإشراك بالله تعالى ، فقالوا له أنه لا فرق بيننا وبينك من حيث المظهر والشكل، فكيف إذًا نعتبرك مختلفًا عنّا في الباطن وأنك صاحب حظوة وزُلفى في البلاط الإلهي، وأنك أُوتيت دوننا قدرات تستطيع بها سماع كلام الله الذي لا نسمعه ، فما أنت إلا بشر مثلنا وإنك خالي من القوى الخارقة، وليس هذا فحسب، بل إن أتباعك أسوأ منا حالاً، فأي انقلاب ستحققونه أيها الجهال الأراذل.

ويستمرون في احتقارهم لسيدنا نوح فيقولون ، أي أننا نسلم جدلاً بأن فيكم من المزايا الباطنة والكفاءات الخفية ما أكسبكم هذه الحظوة عند ربكم، ولكن أخبرونا أما كان حريًّا بكم أن تتمتعوا بالعز والجاه بشكل خارق، لأن الذي يفوق أقرانه خاصة يصبح غالبًا عليهم، ولكنا لا نرى لكم علينا من شرف ولا غلبة ، بل نظنكم كاذبين وإننا واثقون تمامًا أنكم كاذبون، إذ لا دليل على ادعائكم بأنكم أهل الحق وأن الله فضّلكم علينا.

ويقول نوح لمعارضيه ،افترضوا أنني بالفعل تلقيت من الله البراهين والبينات على صدق دعواي وخصّني ربي برحمةٍ عظيمة منه، ثم لنفترض أن هذه البينات قد نزلت علي نزولاً يحيطه الغموض والإبهام ولذلك لا تستطيعون رؤيتها، فأخبروني كيف نشرحها لكم إذن حتى تفهموها، اللهم إلاّ أن تتدبروا فيها بأنفسكم ، إذ لا بد للإنسان لإدراك حقيقة ما ، أن يُعمل فيها ويتدبرها بأسلوب يساعده عل تفهمها، ولكنكم ترفضونها من أول وهلة كارهين حتى الإصغاء إليها، فأنى لكم أن تفهموها إذن، اللهم إلا أن تُجبَروا على ذلك جبرًا، وهذا لن نفعله معكم أبدًا ، لذا يجب على من يبحث عن الحق أن يطهر قلبه من التعصب دائمًا ويتعود على البحث الصادق.

ثم بدأ بتبرئة ساحته مما اتهموه به، فقال: إن العاقل لا يقوم بأي عمل إلا لهدف وغاية ، فإذا كنتُ كما تزعمون مفتريًا من الله تعالى فهل ترون أنني أكسب من هذا الكلام المفترى أي منفعة شخصية؟ إنكم تعلمون جيدًا أنني لا أطالبكم بأي مقابل أو أجر على ما أدعوكم إليه، فما الداعي لأن أقوم بالافتراء أصلاً؟ وكان نوح قد أشار فيما سبق إلى انتصار المؤمنين وازدهارهم، ولما كان انتصارهم هذا يتوقف على هلاك الأعداء، الذي سيمهد الطريق لرقيهم، لذلك أدرك هؤلاء الكفار على الفور أنه يتوعَّدهم بالهلاك، فقالوا له: حسنًا دعنا من هذه النقاشات، وأخبرنا صراحة متى موعد هلاكنا الذي تهددنا به إن كنت من الصادقين.

وعندما أخبر الله عز وجل نوحًا بهلاك قومه أمره أيضًا أن يصنع سفينة مستعينًا بأتباعه أو أهل بيته ، واستمر الأعداء في النقاش والجدال والسخرية من جانبهم، وتمسك سيدنا نوح بأهداب الصبر، متوكلاً على نصرة الله، وانتهى نوح عليه السلام من صنع السفينة، وظهرت علامات بدء العذاب، وهي تفجر الماء من الأرض، فأمر الله عز وجل نوحاً أن يجمع من كل صنف من الأحياء والحيوانات زوجين، ليحملهما معه في السفينة .

إلى أن تفجرت الينابيع بالماء وجرت المياه على وجه الأرض ، مع العلم أن الطوفان لم يأت بسبب انفجار العيون الأرضية وحدها، بل كانت الأمطار الغزيرة هي المصدر الحقيقي لمياه الفيضان، كما صرح القرآن بذلك في عدة أماكن منه ، ولقد نزلت الأمطار بكثرة وغزارة قبل العذاب بحيث غطت المياه كل مكان، وكما يحدث إبان هطول الأمطار بكثرة فإن العيون الأرضية أيضًا تفجرت بالمياه بغزارة، وهذه المياه السماوية والأرضية تسببت معًا في دمار أهل المنطقة.

وهذه ظاهرة طبيعية تشاهد بكثرة، لأن هطول الأمطار الغزيرة يتسبب في فوران العيون الأرضية بكثرة، ولا سيما في المناطق الجبلية، حيث يجري الماء في العيون نتيجة ذوبان الثلوج المتراكمة على أعالي الجبال، وإن نزول الأمطار يزيد الثلوج ذوبانًا، وبالتالي يؤدي إلى زيادة المياه الأرضية ، والثابت من القرآن الكريم أن سيدنا نوح عليه السلام ، كان يسكن في منطقة جبلية، مما يوضح ويؤكد أن موطنهم كان واديًا بين الجبال، وإلا فكيف فكر ابنه في اللجوء إلى جبل من الجبال؟ وعندما رأى ارتفاع المياه ظن أنه سينجو منها بسهولة بالصعود على الجبل.

وأما قوله تعالى (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) فليس المراد منه كلَّ الأحياء الموجودة على الأرض، بل فقط الحيوانات التي كان يربيها نوح في بيته ، ذلك أن كلمة (كل) تعني عادة فقط ما يملكه الناس عمومًا، وليس كل موجود على الأرض ، وهذا هو المراد هنا بمعنى أن الله تعالى أمر نوحًا أن يأخذ معه في السفينة زوجين من كل حيوان كان بحاجة إليه.

وهذا المعنى معقول ومنطقي جدًا، وإلا نضطر للقول غير المعقول بأنه حشد فيها ملايين الحيوانات من الدواجن وحشرات الأرض ووحوش الغاب وغيرها، وأن ضخامة سفينته كانت تساوي ربع الكرة الأرضية تقريبًا! ومما يلفت النظر أنه تعالى قد حثه على أخذ أقل ما يمكن وذلك بدليل قوله تعالى: (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) مما يؤكد أنه أمر أن يأخذ معه ما لا بد منه، لا أن يحشد فيها حيوانات العالم كلها.

ولم يكن نوح يعرف حتى هذه اللحظة أن ابنه كافر ، كان يتصور أنه مؤمن عنيد، آثر النجاة باللجوء إلى جبل ، وكان الموج قد أنهى حوارهما قبل أن يتم ، فلم يعرف نوح حظ ابنه من الإيمان ، وتحركت في قلب الأب عواطف الأبوة ، وفي وسط تلك الأمواج المتلاطمة تحركت عاطفة الأبوة عند نوح عليه السلام ، وتذكر ولده ، لأنه كان من الكافرين يدعوه أبيه، فناداه الأب ليركب معه في السفينة، لينجوا من الغرق ، ولكن ظلمة الكفر طمست على بصيرته، وأصر على عصيانه .

وظن أنه سيلجأ إلى جبل مرتفع، ولن يصل الماء إليه ، ولقد ثارت الشفقة في قلب نوح على ولده، فسأل الله عز وجل بعد ما تحقق من هلاكه أن ينجيه الله، فأجاب الله عز وجل ، بأن ولده كافراً، وإن عقيدة البراء من الكفار هو من أساسيات التوحيد، والذي يجب عليه أن لا يتغلب شفقة الأبوة على حكم الله عز وجل ، وبذلك هلك الكفار من تأثير الطوفان، وبعدها أمر الله عز وجل الأرض أن تبلع ماءها، وأمر السماء أن تقلع من المطر، واستوت سفينة نوح عليه السلام ومن معه عند جبل يسمى الجودى .

وظل نوح ومن معه في السفينة نحوَ ستةِ أشهرٍ وفي هذه المدةِ طافتْ بهم في الأرضِ كلها لا تستقر حتى أتتِ الحرمَ في مكةَ المكرمة فدارتْ حولَه أسبوعا ثم ذهبتْ تسيرُ حتى انتهت إلى جبلِ الجوديِ وهو بأرضِ الموصلِ في العراقِ فاستقرت عليه، وأمرَ اللهُ السماءَ أن تُمسِكَ ماءَها والأرضَ أن تبتلعَ ما تجمَّعَ عليها وهبطَ نوح عليه السلام ومن معَه منَ السفينةِ محفوفًا بالنصر، بعدَما جفَّتِ الأرضُ وأمكنَ السعيُ فيها والاستقرارُ عليها .

وهكذا كانت حياة نوح عليه السلام مع قومه وبعد أن مكث وعاش زمناً وقروناً طويلة وهو يدعوهم إلى الله، وهي سنة الله التي لا تتبدل ولا تتحول، فأما المؤمنون فينجيهم الله برحمته جزاء إيمانهم وأما الكافرون المعادون فيكون عاقبة أمرهم خسرا ، وعاشَ نوح والذين ءامنوا معه على الأرضِ وما كانَ لأحدٍ منهم ذريةٌ بعد ذلك إلا لأولادِ نوح ، سام وحام ويافث، فالبشرُ كلُّهم اليومَ من عربٍ وفُرسٍ وهنودٍ وزنوجٍ وغيرِهم من ذُرِيتِهم ، ويُروَى أن نوحا عليه السلام لَما حضرتْه الوفاة قيل له كيفَ رأيتَ الدنيا ؟ وهو الذي عاش نحوَ ألفٍ وسبعِمِائة وثمانين سنة فقال:" كبيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت منَ الآخر " .

الكلمات المفتاحية نوح عليه السلام

مقالات مشابهه

من قسم آخر


التعليقات

ضعي تعليقَكِ هنا

التقيمات

راديو القمة

radio

فيس بوك

a
;