تحل اليوم ذكري وفاة د./جمال العطيفي إبن أبوتيج بأسيوط وزير الثقافة والإعلام الأسبق المدافع عن الصحافة و الصحفيين و الخبير القانوني في شئون النشر وهو أول منصب تولاه وعمره لم يتجاوز العشرين عاماً وهو "وكيل نيابة الصحافة" في مصر، بعدها واصل رحلته مع الصحافة، فعمل مستشاراً قانونياً للرقابة علي النشر في عام 1949، وتفرغ للمحاماة، ثم مستشاراً قانونياً لمؤسسة الأهرام ثم عضواً بمجلس إدارتها في 1962، وفي نوفمبر 1971 انتخب عضواً بمجلس الشعب عن دائرة قصر النيل.. وتوجته الدولة بجائزتها التشجيعية في العلوم الاقتصادية والقانونية عن كتابه الشهير: "حرية الصحافة" في عام 1972، وهو الكتاب الأساسي في التشريعات الصحفية في مصر، وفي العام نفسه اختير عضواً في لجنة العشرين التي تولت وضع خطة عمل وأسلوب الاتحاد الاشتراكي في البلاد ثم اختير عضواً في مجلس إدارة مؤسسة الصحافة العربية المتحدة (الأهرام _ أخبار اليوم) في السابع من أكتوبر 1975، ورئيساً للجنة التشريعية بمجلس الشعب ثم وكيلاً للمجلس منذ 15 أكتوبر 1972، ورئيساً لجمعية الاقتصاد والتشريع، إضافة إلي عضويته في مجلس إدارة "معهد الإعلام" وأستاذاً غير متفرغ بالمعهد، بعدها اختير وزيراً للثقافة والإعلام (في 19 من مارس عام 1976) وخرج من الوزارة في فبراير 1977 حيث تفرغ للعمل التشريعي وعمله القانوني بالأهرام، وفي عام 1981 اختير نقيباً للمحامين وظل في هذا المنصب حتي 27 من يونيو 1981 اختير نقيباً للمحامين وظل في هذا المنصب حتي 27 من يونيو 1981.
ومن أهم مؤلفاته: القانون الدولي العام، ومجموعة القانون المدني، والحماية الجنائية للخصومة من تأثير النشر، ومن منصة الاتهام، وأيام خالدة في حياة عبد الناصر، وحرية الصحافة، الطريق إلي الديمقراطية.
ونظراً لخبراته القانونية في عالم النشر والصحافة والإعلام فقد تعددت الجهات التي حاولت الاستفادة من تلك الخبرات، منها المجلس الأعلي للشئون الإسلامية، حيث كان عضوا به، كما ترأس لجنة الإعلام الديني بالمجلس وكان عضو لجنة تقنين الصحافة التي أعدت مشروع قانون سلطة الصحافة، وعضو مجلس إدارة الجمعية الإسلامية العالمية للصحة النفسية، وعضو مجلس إدارة أخبار اليوم، وعضو مجلس إدارة جمعية تيسير الحج بأخبار اليوم، عضو الجمعية العربية لحقوق الإنسان، عضو مجلس إدارة عدد من الجمعيات الخيرية والاجتماعية وحصل علي شهادات تكريم متعددة، منها نيشان من اليمن الشمالية والعديد من الدروع وشهادات ودرع نقابة الأطباء.
موسوعة شاملة
بعد وفاته في يناير 1983 كتب عنه سامي متولي يقول: كان العطيفي نموذجاً يحتذي في كل شيء، في حبه لعمله لدرجة العبادة، في علمه الواسع وذكائه المتقد، في أدائه الممتاز لكل عمل تقلده، في نيابته عن الشعب كبرلماني قدير وسياسي محنك. تشهد له مضابط مجلس الشعب بالحوار الراقي الواعي الفاهم في كافة مجالات الحياة وكافة مجالات العلم والمعرفة. كان من أعظم مشرعي عصره، أسهم إسهاما ضخما في وضع دستور مصر الدائم، وشارك في تعميق مفهوم الديمقراطية كطوق نجاة وأمل للشعب، كان صاحب الاقتراحات بمشروعات القوانين التي كفلت دعم الحريات وتصحيح المسار السياسي والاقتصادي والمكملة للدستور، فقدم للمجلس قوانين ضمانات الفصل بغير الطريق التأديبي، وإلغاء موانع التقاضي، وإلغاء العزل السياسي ومباشرة الحقوق السياسية وغيرها من عشرات القوانين التي ساهمت في إقامة حياة ديمقراطية سليمة. وكان موسوعة قانونية ودستورية واقتصادية وسياسية واجتماعية. وكان في نظر الكل البرلماني الأول وأكثر الأعضاء حيوية في النقاش. وكان حديثه يلقي احترام الأغلبية والمعارضة. لم يجد في يوم من أيام عمله البرلماني أي حرج في أن يواجه الحكومة بالنقد، وينتقل إلي صفوف المعارضة ويواجه ويحاسب ويستجوب وينبه ويحذر ويكشف ويصحح، وكان ظاهرة فريدة وحرفيا في وضع مشروعات القوانين وصياغة موادها، وكان الرجل المناسب في التصدي لأي ظاهرة اجتماعية خطيرة بما لديه من علم وفهم لكافة حقائق وأبعاد المجتمع. كان يقود السفينة كوكيل للمجلس أثناء توليه هذا المنصب كأنجح ربان ويضع الحلول التي تؤكد استقرار الأمن وتضمن سلامة الجبهة الداخلية والوحدة الوطنية. كان محايدا يحمي حرية الرأي ويجد الجميع فيه الأمان والضمان والحماية، لم يتعصب يوما لحزبه أو اتجاهه السياسي، بل كان يعطي المعارضة كل الفرص لإبداء رأيها.
حضور دائم
وكتب عنه الكاتب أحمد بهجت يقول: كان جريئاً وهو في مقاعد الحكم أكثر من جرأته وهو في مقاعد المتفرجين، علي عكس الكثيرين ممن يملأون الدنيا ضجيجا فإذا وصلوا للحكم تشبثوا بمقاعدهم وصمتوا صمت النيام أو صمت الموافقين. ولم تكن شجاعته ككاتب تقل عن شجاعته كمسئول.. في عصر الرئيس عبد الناصر كتب مقالا قبض عليه بعده، وفي عصر السادات صار وزيرا للثقافة والإعلام، فسمح في عهده وعلي مسئوليته الخاصة أن يفسح مجالا للمعارضة والرأي الآخر في التليفزيون.
وكانت هذه الجرأة سببا في خروجه من الوزارة بعد أحداث 17 و18 من يناير.. وخرج من الوزارة وقد زادت قامته وكبر حجمه.. لم يكن يؤمن بالانفعال..كان يري أن الشجاعة أو الجرأة يجب أن تظهر في الوقت المناسب ليكون لها أثرها المناسب.. وإلا كان هذا تبديداً للطاقة وتضييعاً لها.. كانت لديه القدرة أن يحلم لبلده قبل أن يحلم لنفسه.. وكان صوته كفارس من فرسان البرلمان من أول الأصوات التي قرعت أجراس الخطر لكثير من مشاكلنا الحادة كمشكلة المياه والصرف الصحي والإسكان والتعليم.. كان د. جمال العطيفي رجلا دائم العطاء.. دائم الحضور.. رحمه الله تعالي بقدر ما أعطي لأمته وبلده وأصدقائه. حرية... بالقانون
أما الكاتب الصحفي المؤرخ شكري القاضي، فكتب عن د. العطيفي قائلاً: كان شغله الشاغل أن يجعل القانون يتسع للحرية ولا يقيدها، ولذا كان العطيفي يطالب دائماً في مقالاته الصحفية بالضمانات القضائية ضد الاعتقال وإخضاع المعتقلات لتفتيش النيابة العامة إلي جانب إعادة سلطة التحقيق كاملة للنيابة العامة وسلطة المحاكمة للقضاء العادي ويحسب له أنه حاول إبان فترة توليه وزارة الثقافة والإعلام عام 1976 أن يحقق دعوته بتطبيق الشريعة الإسلامية ليس بالدعوة فحسب، بل بتسخير الإعلام قدر المستطاع في هذا المضمار، فقد كان العطيفي يدرك جيداً أن دور أو واجب أجهزة الإعلام لا ينحصر في مجرد إثارة القضايا فقط، إنما ينبغي من أن تكون أجهزة الإعلام ضوءاً هادياً علي القضية المثارة الأمر الذي بدا واضحا من خلال البرامج الدينية إبان تلك الفترة خصوصا برنامج "شريعة الله" ولماذا لا وقد كان جمال العطيفي يمثل أكثر من قيمة عالية علي مدي مسيرته الحافلة في دنيا القانون والسياسة يؤمن بمبدأ "التوفيقية" علي مذهب الأشعرية بهدف التوفيق بين الآراء المتعارضة بين جنوح السلطة وآمال الشعب باعتبار أن السياسة هي فن الممكن لا فن المستحيل. كان جمال العطيفي جريئاً وهو في مقاعد الحكم أكثر من جرأته وهو في مقاعد المتفرجين وكانت لديه القدرة أن يحلم لبلده قبل أن يحلم لنفسه في شتي مجالات عطائه مشرعا وأستاذا ًفي القانون وكاتباً صحفياً سياسياً واجتماعياً وفارساً من فرسان البرلمان، وعلي ذكر القانون فقد كان العطيفي حرفيا في وضع مشروعات القوانين وصياغة موادها وكان مقرراً للجنة التحضيرية لدستور 1971 قبل أن يتولي اللجنة التشريعية في مجلس الشعب ويصبح أحد أبرز البرلمانيين المصريين في كل المؤتمرات البرلمانية الدولية حتي حاز ثقة ممثلي برلمانات العالم ونال تأييدهم في كل القرارات الاقتصادية التي شارك في وضعها بهدف خدمة القضية العربية.. لقد كانت "الأهرام" المنبر المفصل لهذا الرمز الجليل دفاعاً عن الرأي والحرية والعدالة وتطلعاً لمستقبل أفضل لمصرنا الغالية.
وتتحدث الدكتورة ليلي عبدالمجيد عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة عن الدكتور جمال العطيفي قائلة: تعرفت إلي الدكتور جمال العطيفي عندما كنت أدرس بكلية الإعلام وفي بداية دخولي الجامعة كان هو من مؤسسي كلية الإعلام ويحضر المقابلات الشخصية للطلبة، حيث كانت هناك اختبارات تجري للطلبة في الدفعة الأولي والثانية من الكلية قبل أن يلتحقوا بها، وكان ذلك بداية معرفتي به، بعد ذلك قام الدكتور جمال بالتدريس لنا مادة "التشريعات الصحفية" وكان يتمتع بشخصية جادة ومستنيرة جدا وكان متقدما في تفكيره، فهو في الأساس رجل قانون وكان يدافع عن حرية الصحافة، ولم تكن نصوصه جافة في التدريس إنما كان يجمع بين النصوص وخبرته وتجربته كوكيل نيابة ومستشار قانوني للأهرام، فكانت مادته التي يدرسها لنا جذابة وتجسد ما يحدث في الواقع، وتمتع بقدرة علي الربط بين الواقع والنص، وجمع في شخصيته الحزم والبساطة والتلقائية فكان أسلوبه يمثل السهل الممتنع لكنه كان صارما في بعض الأمور، ولقد أحببت مادة حرية الصحافة والقوانين من الطريقة التي كان يدرس بها، وعندما اخترت موضوع رسالة الماجستير "حرية الرأي في الأهرام" وكان وقتها الدكتور جمال العطيفي وكيلا لمجلس الشعب وكاتبا كبيرا في الأهرام منذ الستينيات فذهبت إليه لكي نتناقش بخصوص الرسالة، ولفت نظري في مكتبه أن الكتب كانت غير مرتبة أو منظمة و"جاكيته" ملقي لكنه كان يستطيع أن يخرج ما يريده في أي وقت وذلك يعكس قدرات شخصية له فهو يعرف كيفية التعامل مع الأشياء التي قد تبدو معارضة بحنكة كبيرة فهو كان وكيل مجلس الشعب ومن المفترض أن يكون مع السياسة العامة للحكومة، لكن كانت لديه رؤية مختلفة ونقد كبير لها، وهذه الحبكة ظلت إلي أن تولي منصب وزير الإعلام ولقد ظل بهذا المنصب لأقل فترة من غيره لكنه كان الأكثر تأثيرا، فلقد ظل بهذا المنصب لأشهر قليلة ومن سوء الحظ أن تولاه في فترة وقوع أحداث 18/ 19 يناير 1977 التي لم يرض النظام عن المعالجة الإعلامية لها، وكانت له أفكار كثيرة طرحها عن التعديلات والتشريعات الخاصة بالتليفزيون منها أنه أقر قانون حق التصحيح وحق الرد في التليفزيون كما هو معمول به في الصحافة لكن تم إلغاء هذا التشريع بعد تركه للوزارة.
وتضيف د. ليلي عبدالمجيد قائلة: كان الدكتور جمال العطيفي موضوعيا وكان من الصعيد فجمع بين الحزم والطيبة والسماحة، وكان يعمل في إطار النظام لكنه كان ينتقد أكثر من المعارضة وبطريقة علمية، وكنت أحب هذا الرجل وأقدره وشرفت بأنه ناقشني في رسالة الماجستير والدكتوراه التي رحل بعدها بعدة أيام لكنه ترك بصمة كبيرة وبعد مناقشته رسالتي بدأ في تجميع مقالاته التي كتبها في "الأهرام" وضمها في كتاب وكتب في مقدمته أنني أوصيت له بفكرة هذا الكتاب عندما كنت أتناقش معه خلال الرسالة في بعض مقالاته في "الأهرام" مما دعاه للتفكير في هذا الكتاب، وهو من النماذج التي لا تتكرر وكتابه "حرية الصحافة والتشريعات الصحفية" حصل به علي جائزة الدولة وهو كتاب موسوعي به رؤية واضحة للحرية وموازنة للحقوق المتعارضة، ولقد تأثرت بهذا الرجل في جديته وتفانيه في العمل.