كيف يتحول قانون الأسرة الجديد إلى "فخ" لهدم البيت المصري؟

كيف يتحول قانون الأسرة الجديد إلى "فخ" لهدم البيت المصري؟

لطالما كانت الأسرة المصرية هي الحصن الأخير الذي تتكسر عليه كافة الأزمات، واللبنة الأساسية التي تحفظ للمجتمع تماسكه وهويته. لكن، ومع تصاعد الحديث عن مسودات "قانون الأحوال الشخصية الجديد"، يجد المتابع المتأمل نفسه أمام تساؤل مرعب: هل نحن أمام حركة إصلاحية حقيقية لترميم الشروخ الأسرية، أم أمام مخطط خفي –بقصد أو بدون قصد– يحمل في طياته معولاً لهدم ما تبقى من استقرار البيت المصري؟

 

​عند قراءة التعديلات المقترحة بعين ناقدة، تتكشف لنا ملامح توجه يثير القلق، حيث يتم تغليف نصوص القانون بشعارات براقة مثل "التمكين" و"حفظ الحقوق"، بينما يكمن الخبث الحقيقي في التفاصيل التي تحول العلاقة الأسرية من رباط مقدس قائم على "المودة والرحمة"، إلى ساحة حرب قانونية مفتوحة وحقل ألغام ملغم بالشروط والقيود.

 

​تسليع الزواج وإعدام "المودة والرحمة"

 

​الخطوة الأولى في هدم أي كيان تبدأ بتغيير فلسفته. مسودات القانون الجديد تميل بوضوح إلى صياغة الزواج وكأنه "عقد شراكة تجارية" صارم، كل طرف فيه يتحفز ضد الآخر.

 

​بدلاً من أن يكون الزواج سَكناً، تحول عبر التلويح بالشروط المسبقة، وتوثيق القوائم، وتغليظ العقوبات المالية، واشتراطات صناديق دعم الأسرة، إلى مشروع محفوف بالمخاطر. هذا التحول الفلسفي يزرع الشك وسوء النية قبل حتى أن يوقع المأذون على العقد، مما يقتل العفوية والتراحم الذي قامت عليه البيوت المصرية لعقود.

 

​صناعة "العزوف".. تجفيف منابع الزواج

 

​الخبث الأكبر لا يكمن فقط في كيفية إدارة الطلاق، بل في "صناعة العزوف عن الزواج" من الأساس. عندما ينظر الشاب المصري إلى نصوص قانونية تجعله في موقف اتهام دائم، وتفرض عليه التزامات مادية تعجيزية قبل وبعد الزواج، وتلوح له بعصا السجن أو الحجز على ممتلكاته عند أي تعثر أو خلاف، فإن النتيجة الحتمية ليست حماية الأسرة، بل الإضراب الجماعي عن تكوينها.

 

​هذا التخويف الممنهج للشباب يضرب البنية الديموغرافية والاجتماعية في مقتل، ويفتح الباب على مصراعيه للعلاقات غير الرسمية أو البدائل التي تدمر النسيج المجتمعي.

 

​الأطفال.. وقود معارك التفكك

 

​لعل أشد ما يبرز في هذا السياق هو المتاجرة بمصلحة الطفل. فقوانين الرؤية، والاستضافة، والحضانة، والنفقة، في كثير من توجهاتها المطروحة، لا تصنع سلاماً للطفل، بل تحوله إلى "سلاح" يبتز به طرف الطرف الآخر.

 

​إطالة أمد النزاعات في أروقة المحاكم، ووضع العراقيل أمام الأب في ممارسة دوره التربوي الحقيقي (وليس مجرد كونه ماكينة صراف آلي)، يخلق جيلاً من الأطفال المشوهين نفسياً، الذين تربوا في كنف المحاكم بدلاً من أحضان عائلة طبيعية. تهميش دور الأب أو تحويل الأم إلى مقاتلة في ساحات القضاء هو هدم مباشر لسوية الأجيال القادمة.

 

​استيراد قوالب لا تناسب مجتمعنا

 

​إن ما يُطرح اليوم يبدو وكأنه استيراد أعمى لنماذج اجتماعية غربية، تقوم على الفردية المطلقة والندية الصدامية بين الرجل والمرأة، وهي نماذج أثبتت فشلها في مجتمعاتها الأصلية التي تعاني اليوم من تفكك أسري كامل وانحدار في معدلات الإنجاب وتكوين الأسر. فلماذا يتم استنساخ هذه التجربة الفاشلة وإسقاطها قسراً على مجتمع شرقي متدين بطبعه؟

 

​في النهاية..

 

إن القانون الذي يفترض أن يحمي الأسرة، يجب أن يكون أداة لرأب الصدع لا سيفاً مسلطاً على الرقاب. الإصلاح الحقيقي لا يكون بتغليظ العقوبات المادية ولا بوضع الرجل والمرأة في حلبة مصارعة قانونية، بل بدعم قيم التسامح، وتسهيل سبل التوافق، وتبسيط إجراءات التقاضي، وتخفيف الأعباء عن كاهل الشباب.

 

​ما يلوح في الأفق ليس مجرد قانون لتنظيم الخلافات، بل هو مسار خطير قد يجعل من الأسرة المصرية مجرد "ذكرى تاريخية"، ويحول بيوتنا إلى جزر منعزلة يكسوها الخوف وتحكمها القوانين الجافة بدلاً من دفء العائلة.

 

الكلمات المفتاحية

مقالات مشابهه

من قسم آخر


التعليقات

ضعي تعليقَكِ هنا

التقيمات

راديو القمة

radio

الأكثر قراءة

فيس بوك

a
;