البيوت المظلمة

البيوت المظلمة

أتذكر جيداً جارتنا السيدة العجوز الهادئه، هي جارتنا و صديقة أمي المقربه رغم أنها كانت عجوز جداً وفارق السن بينهما كبير ،فقد كانت تعتبر أمى ابنتها، كانت تز ورنا فى أوقات كثيره متفرقة لكن منتظمة.

أتذكر جيداً أنها كانت تختفى مده طويله ثم تعود لزيارتنا وتكون حزينه صامتة.
نحن فى كل عام مصر كلها تحتفل وتبتهج عدا جارتنا هذه فهي وحدها تظل تبكي ، وتغلق على نفسها الأبواب كما أغلقت قلبها سابقاً على الجرح الذي مازال إلي الآن نزيفه لا يتوقف ،
كانت تتجمد واقفه أمام سرير ابنها الفارغ الى الأبد.
كنت أسمع صوتها بإستمرار وهى تبكى بكاء خافتا و تشكو لأمي حزينه مشتته
"طيب فين جثته؟
طيب حتي ادفنه ..
قالولي مات …
بس محدش قال حاجة تانيه..
مش يمكن لسه عايش...
مش يمكن ألاقيه راجع.."

الثمن الذى لا يراه ولا يشعر به أحد، الثمن هو قلوب الإمهات التى لا تنام ولاتجف دموع عيونهن .
تلك الأيام الجميله والذكريات المجيدة بالوطن ،
الأيام التى دفعوا ثمنها من أرحامهن.
أبداً….لا ألم فى هذة الدنيا يساوي ألم هذه الأم الثكلى. والأصعب والأشد إيلاماً الأم التي ذهب فلذه كبدها طوعاً للموت. فمنهن من ذهب لها ثلاثه او أربعه ابناء و عادوا جثثاً في نعوشها.ومنهم من عادت سلاسل تحمل اسمه و رقمه العسكرى. ورغم ذلك لم تمنع الباقين من الذهاب ليلقي نفس المصير.

يمكن أن نتحدث كثيراً عن العظمة والقوه واليقين وكثيراً من الكلمات القويه ،لكن أفضل الأحاديث عن هذا الثمن الذى لا يراه احد منا . أو عن تلك البيوت التى يقام فيها كل عام بنفس الوقت ذكري لعزيز فقد ،
بينما يحتفل الجميع فى البيوت و الشوارع.
تلك الصور التى تجلسن امامها طوال الليل والنهار يخاطبونها تاره ويبكون في رحابها تاره أخري لعلها تنطق، الباب الذى يرقبونه دوماً عسي أن ينفتح و يدخل الغائب كأنه في رحله طويله و شيئا لم يكن، يظل الامل يداعب ارواحهم حتي يتضائل هذا الأمل ويتقلص فيختفي لحظه استلام الجثمان.
العام الذى ينقضى و رفاقه الذين مضوا فى حيواتهم و بقى الزمن متجمدا عند لحظة إعلان الرحيل..
مرت السنين على الأم العجوز حتى طلبها المولي وتوفاها ، و لم تعرف معلومه عن وليدها ..
كيف استشهد أم ماذا حدث ..
وتمر السنوات ..
وبعد وفاتها بسنوات كثيره ، كنت أجلس في بيتنا وفي ذكري ألاحتفالات السنويه و فى إحدى الحلقات لذكريات المحاربين ، فجأه سمعت أمى تنادى على أبى بصوت فزع ..
"فؤاد..
تعالي...
تعالي بسرعه"
نظر أبى وتجمد في مكانه هو و أمى يسمعان الراديو حيث يتحدث أحد المقاتلين القدامي ويحكى عن بطل لن ينساه فيقول …
((استشهد هذا البطل فى التاسع من اكتوبر 73:"حيث دخل الشهيد للدشمة بالداخل وقام بتصفيتها هو و مجموعته، عملية انتحارية بكل المقاييس، إديتهم الاختيار وكان له حق يرفض لكنه كان يصر أن ينفذها، قلتله قبلها يفكر لإنها عملية مفيش منها رجوع صمم رغم صغر سنه ، وتانى يوم قام نفذ العملية، دخل اشتبك مع القوة بتاعه العدو و فجرها من جوه، دخلنا بعد ما الدشمة اتصفت وقدرنا اننا نسيطر على النقطة و نكمل تأمين القوات، اتذكر جيدا هذا البطل و أتذكر اسمه ملازم أول ع.م من كفر الزيات))
كان بالفعل الإسم و الرتبة نفسهم إسم ورتبه ابن جارتنا السيده الوقورة التي رحلت منذ سنوات،
كان الخبر صدمه ولم يصدق أبى او امي ما حدث و ظلت أمى تبكي وتترحم على صديقتها بكاء أليماً.

ذهب أبى الى بيت الشهيد بجوارنا وأخبره بما حدث،
وطلب اخو الشهيد من أبى الحضور مساءاً ليقص ما سمعه على باقى أخوته. ولأن أبيهم كانت حالته الصحية متدهورة رفضوا اخباره.
ومات الأب والأم دون أن يعرفا ما حدث لأبنهما وكيف استشهد ولدهم الصغير، لم يتم أسره ولم يفقد الذاكرة كما كانوا يعتقدون بل استشهد ومات شامخاً عظيماً.

هل تعلم ما معنى البيت المظلم الحزين ،
هل تعلم ما احساس البيت الذي لم يرتاح لأكثر من عشرين عاما؟؟
هل تعلم مامعني البيت الساهر لا تنام العيون به لسنوات ؟؟
لا أحد فينا سيعرف ..
لا أحد إلا هؤلاء الذين عاشوا الحكايه بكل تفاصيلها.
لا احد إلا هؤلاء الذين ذاقوا مراره التجربه وخاضوها.

الكلمات المفتاحية البيوت المظلمة

مقالات مشابهه

من قسم آخر


التعليقات

ضعي تعليقَكِ هنا

التقيمات

راديو القمة

radio

فيس بوك

a
;