قراءة تأملية في سورة قصيرة

قراءة تأملية في سورة قصيرة

هي سورة اختص الله بها نبيه، كأنها مناجاة له، تَبرُز فيها عناية الله برسول الله، إذ توحي بأن ضائقة ألمَّتْ بالنبي فأثقلت صدره؛ فنزلت تسلية له وشرحا لصدره، جعلت النبي يشعر بالود والعطف من ربه، فأحبها النبي ومدح قارئها، فقال: "من قرأها أُعطِي من الأجــر كمَنْ لقي محمدًا مغتَمًّا ففرّج عنه"، نزلت بعد سورة الضحى، كأنها تكملة لها، حتى قيل: إنهما سورة واحدة، ولولا وجود البسملة قبلها لتأكد ذلك.

اشتملت السورة على امتنان بثلاث نِعَم، وبشرى بزوال العقبات، وتوجيه نصيحتين، ما هي تلك السورة؟ إنها سورة الشرح، والنِّعم {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} {وَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} {رَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، والبشرى {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، والنصيحتان {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ. وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}.

التعبير عن النِّعَم بدأ باستفهام منفي {أَلَـــمْ} يفيد الإقرار والتوكيد؛ لأنه يدعو المتلقي أن يشارك المتكلم في الحوار فيقرّ بصحة كلامه، وهو هنا يجعل النبي يشارك ربه في الحوار فيقــرّ بالنعم، وفيه استئناس للنبي بالكلام مع ربه، وما أجمله! ولذا قصد موسى أن يطيل في الكلام لما سأله ربه: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ}، فقال: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}، وهنا لفتة في فضل النبي على الأنبياء، فموسى هو الذي رغب الاستئناس بربه في الكلام، في حين أن الله هو الذي رغب أن يستأنس النبي بالكلام معه، كما أن موسى هو الذي قال: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي}، بينما قال الله لحبيبه: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}.

والتعبير عن الامتنان جاء بنون الجمع التي تفيد العظمة في {نشرح وضعنا رفعنا}؛ لأن الله يتحدث عن أفعاله، وهي سمة عامة في القرآن، فحينما يتحدث الله عن ذاته يتحدث بضمير المفرد كقوله: {إنني أنا الله}، وحينما يتحدث عن أفعاله يتحدث بضمير الجمع كقوله: {إنا نحن نزّلنا الذكر}، وهو هنا يدل على أن الله عظيم في إنعامه، وعظمة المنعم تقتضي عظمة النعمة، ومن هنا ندرك عظمة هذه النِّعم لرسول الله، وبخاصة نعمة "شرح الصدر"، فهي نعمة عظيمة سميت السورة بها.

والتعبير عن الامتنان تضمّن ضمير الخطاب (لك) (عنك)، وهو تخصيص يوحي بالتكريم للمخاطب، وهو يفيد أن منافع شرح الصدر عائدة على النبي لا على الله، وهذا شأن الإيمان والكفر، فالإيمان يعود نفعه على صاحبه، والكفر يعود ضره على صاحبه.

المقصود بـ"شرح الصدر" إزالة الهــمّ والغــمّ؛ لأن العرب تسمي الهمّ والغمّ "ضيق الصدر"، ولا يدرك قيمة "شرح الصدر" إلا المهموم، فالهمّ أثقل على صاحبه من الجبل، سُئل عليّ: ما أشدُّ خَلْقِ اللهِ؟ فقال: أشدُّ خلْق الله عشرة: الجبال الرواسي، والحديد يقطع الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب يحمل الماء، والهواء يسوق السحاب، والإنسان يتنفس الهواء، والسُكْر يغلب الإنسان، والنوم يغلب السُكْر، والهمّ يغلب النوم"، فالهـمّ أشد خلق الله، ليس بعده إلا الموت؛ ولذلك من أعظم النعم نعمة إزالة الهمّ، وقد ألمّتْ برسول الله هموم ثقيلة حتى ضاق صدره فشكا إلى ربه، فأزال الله عنه همّه بإنزال الوحي عليه، فانشرح صدره، فصار ذكر الله مَخْرَجا من ضيق الصدر.

النعمة الثانية {وضعنا عنك وزرك}، الوضع إلقاء الشيء، والوزر هو الحِمل من الهموم أو الحِمل من الذنوب، فما هو وزر رسول الله؟ وكيف وضعه الله عنه؟ إذا فسّرنا الوزر بالحِمْل من الهموم فقد ألمّتْ برسول الله هموم كثيرة كما سلف القول.

وإذا فسّرنا الوزر بالحمل من الذنوب فالذنب هو الخطأ المقصود أو غير المقصود، فإذا فسّرناه بالخطأ المقصود فرسول الله معصوم منه، فمن أين الخطأ؟ وكيف يؤمر بالاستغفار منه؟ لعل اللغة تسعفنا في التفسير الأليق برسول الله، فالمصدر (وزرك) يحتمل إضافته للفاعل أي أن الوزر واقع من رسول الله، ويحتمل إضافته للمفعول أي أن الوزر واقع على رسول الله، ومثله في القرآن {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ}، فالظلم واقع منه، وقوله: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ}، فالظلم واقع عليه، كذلك {وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} أي معصية الناس للرسول.

وعلى ذلك فالمراد بالوزر ذنب الناس في حق النبي قبل إسلامهم، فلما أسلموا أمر الله نبيه أن يستغفر لهم تلك الذنوب؛ حتى يغفرها الله لهم، لذلك ارتبط أمر الاستغفار بدخول الناس في الإسلام، قال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ}، و{إذا جاء نصر الله .. فسبح بحمد ربك واستغفره}، ومن ثم أمر الله نبيه بالصبر قبل الاستغفار{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}، فالصبر لا يكون إلا على مكروه، وهو أذى الناس لرسول الله.

وإذا سلمنا بإضافة المصدر لفاعله، فالمقصود بالوزر هو الخطأ غير المقصود، فما هو الذنب غير المقصود الواقع من رسول الله؟ هنا توقفنا .

الكلمات المفتاحية قراءة تأملية سورة قصيرة

مقالات مشابهه

من قسم آخر


التعليقات

ضعي تعليقَكِ هنا

التقيمات

راديو القمة

radio

فيس بوك

a
;