كيف نواجه الوباء والطاعون

كيف نواجه الوباء والطاعون

إن الله تبارك وتعالى قد يبتلي العباد ويمتحنهم ، ليعلموا فقرهم وحاجتهم إليه، وأنه لا غنى لهم عنه، رغم ما تقدموا فيه من العلم ، ورغم ما وصلوا إليه من الطب، ورغم ما عندهم من المال، فإن ذلك كله يبقى حائلًا دون كشف الكربات وقضاء الحاجات، فلا يكشف الضر إلا الله، ولا يدفع البلاء إلا الله، ولا يشفي من المرض إلا الله .

وقد عالج الإسلام موضوع الأوبئة، وذلك قبل وقوع الوباء، وبعد وقوعه وانتشاره ، فقبل وقوع الوباء لا بد على المسلم أن يعلم أن القضاء قد يكون خيرًا، وقد يكون شرًّا، ومن أركان الإيمان الإيمانُ بالقدر خيره وشره، فالمرض من الله والشفاء من الله، والموت من الله والحياة من الله، فهذا من الثوابت التي لا ينازع عليه مسلم في اعتقاده، وأن الله تعالى إذا أنزل المرض، فهو الذي أنزل الشفاء منه، علم ذلك من علمه وجهله من جهله .

وإن طاعون عمواس كان بها ، وكان في هذه السنة طاعون عمواس وعام الرمادة ، فتفانى فيها الناس ، وكان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز ، وجاع الناس جوعا شديدا ، وقد وسميت عام الرمادة لأن الأرض اسودت من قلة المطر ، حتى عاد لونها شبيها بالرماد ، وقيل لأنها كانت تسفي الريح ترابا كالرماد ، ويمكن أن تكون سميت لكل منهما .

وقد أجدب الناس في هذه السنة بأرض الحجاز ، وجفلت الأحياء إلى المدينة ولم يبق عند أحد منهم زاد ، فلجئوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه من الأطعمة والأموال حتى أنفده ، وألزم نفسه أن لا يأكل سمنا ولا سمينا حتى يكشف ما بالناس ، فكان في زمن الخصب يبس له الخبز باللبن والسمن .

ثم كان عام الرمادة يبس له بالزيت والخل ، وكان يستمرئ الزيت ، وكان لا يشبع مع ذلك ، فاسود لون عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، وتغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف . واستمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر ، ثم تحول الحال إلى الخصب والدعة ، وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم .

فعلاج كل الأوبئة والأمراض الفتاكة وغيرها هو عند الله، وقد يعلمه من يشاء من عباده ويخفيه عمن يشاء؛ امتحانًا منه وابتلاءً؛ حتى يرجع العباد إلى خالقهم ومولاهم، ويسألوه ذلك العلاج والشفاء ، ومن هدي الإسلام في التعامل مع الوباء عدم الذهاب إلى الأرض التي ينتشر فيها، وعدم الخروج منها .

ويدل على ذلك ما رواه عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سمعتم به ، ويعني بذلك الطاعون ، بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه" رواه البخاري ومسلم.

وقال الشافعي : بلغني أن رجلا من العرب قال لعمر حين ترحل الأحياء عن المدينة : لقد انجلت عنك وإنك لابن حرة ، أي : واسيت الناس وأنصفتهم وأحسنت إليهم ، وقد روينا أن عمر بن الخطاب ، عس المدينة ذات ليلة في عام الرمادة فلم يجد أحدا يضحك ، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة ، ولم يجد سائلا يسأل ، فسأل عن سبب ذلك .

فقيل له : يا أمير المؤمنين ، إن السؤال سألوا فلم يعطوا فقطعوا السؤال ، والناس في هم وضيق ، فهم لا يتحدثون ولا يضحكون ، فكتب عمربن الخطاب إلى أبي موسى بالبصرة : أن يا غوثاه لأمة محمد ، وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر : أن يا غوثاه لأمة محمد ، فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمات ، ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة ومن جدة إلى مكة .

ولكن كيف تعامل جيل الصحابة مع طاعون عمواس وهو وباء أخطر من الكورونا ، وهو بإختصار شديد ، هم أخذوا بالمنهج الإسلامي المتوازن بين محاصرة المرض من خلال الحجر الصحي على أهالي المناطق الموبؤة دخولاً وخروجاً منها و اليها، وعزل المصاب عن السليم المخالط بعدم الدخول عليه الا لحاجة قصوى، ثم أتبعوا ذلك .

وبالتوكل على الله والتفاؤل دون ذعر وهلع، فإن أصيب أحد بعد الأخذ بالأسباب فهو محتسب شهيد مرحوم باذن الله ككبار الصحابة الذين ماتوا في الشام محتسبين ومنهم معاذ بن جبل، وأبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وأبو جندل سهل بن عمر وأبوه، والفضل بن العباس بن عبد المطلب .

وقد امتنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أُخبر أن الوباء والطاعون قد وقع بالشام، واستشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأشار عليه بعضهم بالمضي قدمًا، وأشار عليه البعض الآخر بعدم الدخول حفاظًا على أنفس من معه من الصحابة، فقرر عدم الدخول، فاعترض عليه أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه بقوله:

"يا أمير المؤمنين، أفرارًا من قدر الله تعالى؟ فقال له: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفرُّ من قدر الله تعالى إلى قدر الله"، فقد بيَّن رضي الله عنه أن أخذ الحيطة والحذر من الوباء والمرض من قدر الله تعالى، ولا ينافي التوكل عليه.

وكانت نهاية وباء عمواس بعد تقدير الله على يد ارطبون العرب عمرو بن العاص رضي الله عنه، فحينما مات أبو عبيدة وبعده معاذ رضي الله عنهما واسُتخلف عمرو بن العاص قام في الناس خطيباً فقال: "أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصّنوا منه في الجبال".

أي أعزلوا أنفسكم وقللوا من الاحتكاك وهو ما تقوم به الأنظمة الصحية الحالية في الطلب من المصابين والمخالطين لهم بعزل انفسهم في منازلهم او فنادقهم او سفنهم للحد من الانتشار السريع للوباء ، وقد آثر أبو عبيدة البقاء في عمواس، ورفض دعوة عمر رضي الله عنه بمفارقة مكان الوباء، حتى أصابه الطاعون، فقام في الناس خطيبا فقال: "أيها الناس، إن هذا الوجع رحمةٌ بكم، ودعوة نبيّكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبي عبيدة حظّه"، ثم مات رضي الله عنه .

وبقي أن أذكر ان طاعون عمواس أشد فتكاً بمراحل من معظم ما شهدناه من أوبئة مؤخرا فقد مات فيه عشرات الألوف في ثلاثة ايّام حتى أحتار المسلمون في تقسيم المواريث لكثرة من فقدوا، فعلينا بالسكينة والثقة بالله ثم التزام تعاليم ولاة الأمر كما فعل أسلافنا وعدم اثارة الذعر ونشر الشائعات .

وقد كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب : إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب منهم ضرار وأبو جندل بن سهيل ، فسألناهم فقالوا : خيرنا فاخترنا ، قال : فهل أنتم منتهون ، ولم يعزم علينا ، فجمع عمر الناس فأجمعوا على خلافهم ، وأن المعنى في قوله : فهل أنتم منتهون أي : انتهوا .

وأجمعوا على جلدهم ثمانين ثمانين ، وأن من تأول هذا التأويل وأصر عليه يقتل ، فكتب عمر إلى أبي عبيدة ، أن ادعهم فسلهم عن الخمر ، فإن قالوا : هي حلال ، فاقتلهم ، وإن قالوا : هي حرام ، فاجلدهم ، فاعترف القوم بتحريمها ، فجلدوا الحد وندموا على ما كان منهم من اللجاجة فيما تأولوه ، حتى وسوس أبو جندل في نفسه ، فكتب أبو عبيدة إلى عمر في ذلك .

وسأله أن يكتب إلى أبي جندل ويذكره ، فكتب إليه عمر بن الخطاب في ذلك : من عمر إلى أبي جندل ، إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، فتب وارفع رأسك وابرز ولا تقنط ، فإن الله تعالى يقول قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ، وكتب عمر إلى الناس أن عليكم أنفسكم ، ومن غير فغيروا عليه ، ولا تعيروا أحدا فيفشو فيكم البلاء .

وقد يكون إصابة الإنسان المسلم ، بالمرض رفعة لدرجاته وتكفيرًا لسيئاته ، حتى يلقى الله وما به من الذنوب شيء، وأن إصابته تلك إن أدت إلى وفاته كانت سببًا في استشهاده ولحوقه بالشهداء ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الطاعون شهادة لكل مسلم " رواه البخارى ومسلم ، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته بالمصابين بالأوبئة.

ومعالجة الوباء والمرض بعد الوقوع فيه، فيكون بعدة أمور أيضًا ، منها ، أن يوقن المصاب أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن يسلم بقضاء الله وقدره، ويعلم أن القضاء والقدر منه خيرٌ ومنه شر ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له " رواه مسلم .

الكلمات المفتاحية كيف نواجه الطاعون

مقالات مشابهه

من قسم آخر


التعليقات

ضعي تعليقَكِ هنا

التقيمات

راديو القمة

radio

فيس بوك

a
;