الخذلان والكسل والتوانى

الخذلان والكسل والتوانى

 قيمة العبد عند الله عز وجل حين يعظمه العبد، فيعظم الله في قلبه، وإذا عظم الله في قلبك فأبداً لا تطيق ولا تستطيع أن تجلس هكذا لا تدعو إلى طريق مولاك ، وكثرة المال وطيب العيش تسد مسالك العلم إلى النفوس، فلا تتجه النفوس إلى العلم مع الترف غالباً، فإن الغني قد يسهل اللهو ويفتح بابه، وإذا انفتح باب اللهو سد باب النور والمعرفة، فلذائذ الحياة وكثرتها تطمس نور القلب، وتعمي البصيرة، وتذهب بنعمة الإدراك .

أما الفقير وإن شغله طلب القوت، فقد سدت عنه أبواب اللهو، فأشرقت النفس، وانبثق نور الهداية ، وهذه هي القضية أن الترف مفسد، وكثرة المال تلهي، فاللهم أعطنا ما يكفينا، وعافنا مما يطغينا ، وللأسف الشديد الناس في هذا الزمان لا يطلبون ما يكفيهم، بل يطلبون ما يطغيهم، لا يكتفون بما يرضيهم بل يطلبون ما يعليهم ، ومن أسباب ضعف الالتزام رواسب الجاهلية، فإن أكثرنا يدخل طريق الالتزام وفي داخلة نفسه رواسب من رواسب الجاهلية مثل: حب الدنيا، والاعتزاز بالنفس، والآمال الدنيوية العريضة، وعدم قبول النصيحة، وكثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام .

والناس قد ترفع من قيمة المسؤول وصاحب المنصب لمنصبه ولكرسيه ولعرشه، ولكن ميزان الله مختلف تماما مع موازين الخلق، فإن ميزان الله عز وجل يقدّر صاحب المنصب هذا إن أقام العدل وهو على منصبه واتقى ربه سبحانه وتعالى ، وإلا فلا قدر له عند الله ولا كرامة، مهما نفخ الناس فيه، ومهما لمّعوا له منصبه فإن جهنم بانتظاره، يأتيها مغلولة يداه إلى عنقه، لا ينفعه يومها إلا عدله وتقواه .

وما قيمة طالب العلم والمُدرس بدون التزام؟ وما قيمة الشهادات وأصحابها بدون التزام؟ وميزان الله يقول فيه ، أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم " كان يقول اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع "، وقال صلى الله عليه وسلم " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ".

فقد ندرس ونحصل على الشهادات، وقد نكون أساتذة أصحاب شهادات، لنا مكانتنا عند الخلق وفي موازينهم وهم معجبون بنا لمكانتنا العلمية، ولكن ميزان الله يقول بأن العالم الذي لا ينفعه علمه ولا يتقي الله في حياته العلمية والوظيفية، يحمل الشهادة ولكن لا يشهد له دينه ولا صلاته ولا ورعه ولا أمانته بأنه كان فيها على الصراط المستقيم، فإن هذا العالم وذلك المدرس وأولئك المتعلمون وأصحاب الشهادات هم كالحمار يحمل أسفارا،وتنتظرهم جهنم وهي أولى بهم من غيرهم .

لأن أهل العلم هم الأولى بأن يتقوا الله تعالى ، وما قيمة الموظّف والتاجر والعامل بدون التزام؟ وميزان الله يقول ما قاله النبى الكريم صلى الله عليه وسلم " فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ترك صلاة العصْر فقد حبط عملُه".

ففي موازين الناس قد تكون أيها الموظف وأيها التاجر مُغتبَطا، ويتمنى بعض الناس مكانك، وتقدم لك التحيات، وتكال لك المدائح، ولكن في ميزان الله فرض واحد يفوتك تنخسف عند الله أسفل سافلين، فكيف أنت أيها الموظف الكبير وأيها التاجر الغني إذا كنت مهملا للصلاة، أو غاشاً، أو آكلا للحرام، فما تظن قدْرك في ميزان الله بعدها؟

وما قيمة أصحاب التنعم واللهو، أولئك الغارقون في عالم اللّذائذ والشهوات والتمتع بالدنيا على حساب آخرتهم، ما قيمتهم وميزان الله يقول فيهم، كما في الحديث الصحيح، عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِى النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ".

صبغة واحدة، غطّة واحدة، غمسة واحدة، أنْسَتْ هذا الغارِق في عالم الترف والشهوات كلّ لذائذه طول عمره،لم يعد يذكر شيئا من تلك الشهوات والسفرات، واللهو والمهرجانات، والخيمات والنومات، والشواطئ الساحرات، والفنادق الهادئات، فهو في ميزان الله محترق، ناشف مرباد، وإن كان في موازين الناس منتفخ البطن، مبتسم الوجه، هنيء الحياة كما يبدو لهم.

ولا شك أنَّ الترف أفسد أبناءنا، فوجدنا فينا من يتفاخر يقول ، أنا لا أجعل ابني في احتياج إلى شيء أبدًا، فأنا ألبي له جميع طلباته ورغباته ، ومثل هذا يظن أنه أحسن إلى ولده، وأنا أعرف أنَّ العاطفة لها دخل كبير في هذا، بل من لا يستطيع أن يفعل ذلك يظل مهموماً بهذه الرغبات من الأولاد، والتي لا يستطيع أن يلبيها لهم، والحقيقة أنَّ هذا ليس من التربية في شيء، فأنت بذلك تفسد الولد، إننا نفتقد الحكمة في التربية، نفتقد التربية الإيمانية الصحيحة لأولادنا .

فلماذا لا تربي ولدك منذ البداية على أن يتعلق بالله، فإذا طلب شيئاً مفيداً ولم تستطع أن تجيبه فقل له: هيا يا بني نصلي ركعتين وندعو الله فيهما، فإنَّ الله هو الرزاق، وهو ربنا المدبر لأمورنا، فإذا لم يمنحنا المال الذي أستطيع به أن آتيك بما تريد، فاعلم أنَّ هذا ليس مفيداً لنا الآن ، لأنَّ الله صرفه عنَّا.

فتعلمه قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" وليس من التربية أن تلبي جميع متطلبات أولادك، فينشأ الواحد منهم عبد شهواته، كلما تاقت نفسه إلى شيء طلبه فإنَّه إن لم يجده، سيسرق ويزنى ويخون من أجل أن يحقق ما يشتهي ، إن لابنك حقاً أعظم من الدنيا، وهو أن تعلمه كيف ينجو من النار، اللهم نجنا وأولادنا من النار، حيث قال الله تعالى: ( يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) سورة التحريم.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم، شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر " فرجل كبير السن يزني، وملك يكذب على رعيته ولا يحتاج لذلك فإذا كذب غش، فهنا ضعف الداعي، وتم الفعل، فعظم الوزر ، إنها عقوبة تروع قلب أي مسلم ألا يكلمه الله، انظر لكعب بن مالك لما خاصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم كادت روحه تزهق، تفكر في حالك ولو أتيت من تحب فوجدته معرضاً عنك أو خاصمك كيف تكون حينها؟

ألا تشعر أنَّ الدنيا اسودت في وجهك، ويحل بك من الضيق والحزن ما يقطع قلبك، فما بالك أن يقاطعك الله، لا يكلمك، لا ينظر إليك، يعرض عنك، لا يزكيك، هذا أشد من عذاب جهنم عند الموقنين المحبين الموحدين ، والثالث هو عائل أي فقير وهو مع هذا مستكبر، فإن يطغى الغني بالمال هذا أمر معروف، قال تعالى: ( كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) لكن فقير يتكبر فلماذا ؟ وكذلك فقير مترف هذا شيء يبغضه الله تعالى.

والنظر في بعض الأمثلة التي حدثت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام بعض الصحابة، كيف أسلم بعض الصحابة؟ كيف دخل الإيمان في قلوبهم؟ كيف اهتدوا؟ كيف انقذوا من الشرك والكفر والضلال ودخلوا في الإسلام؟ كيف حدث هذا؟ وكيف اهتدى بعض الفسقة، وبعض الضالين من الفجار؟ كيف اهتدوا وصاروا أناساً صالحين طيبين؟

وهذا السؤال من الأهمية بمكان ، حتى يعلم كل إنسان مكانه، وحتى يعلم الإنسان السبل التي يسلكها ويصل إلى هذه النتيجة، لماذا نحن أيها الأخوة مقصرون؟ لماذا نحن واقعون ومنغمسون في الشهوات؟ لماذا لا نترك هذه الشهوات وننتقل إلى دائرة الضوء ودائرة الإيمان؟ كيف انتقل الصحابة؟

والصحابة ، انتقلوا بطرق عديدة، انتقلوا بطرق عديدة من الكفر إلى الإسلام، فمنهم من جلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فناقشه صلى الله عليه وسلم مناقشة إيمانية ،لا مناقشة عقلية مجردة عن دلائل الإيمان، ونور الإيمان، مناقشة إيمانية، هداهم الله تعالى بهذه الكلمات نبوية إلى الإسلام، ولقد نبَّه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على خطورة الانخداع بالمظاهر ، فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال:

مرَّ رجلٌ على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالسٌ: " ما رأيك في هذا؟ ". فقال: رجلٌ من أشراف الناس ، هذا والله حريٌّ إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يشفَّع ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مرَّ رجلٌ آخر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما رأيك في هذا؟ ". فقال: يا رسول الله، هذا رجلٌ من فقراء المسلمين؛ هذا حريٌّ إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يُشفَّع، وإن قال ألا يُسمع لقوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا" رواه البخاري .

وإن من أعظم السلبيات التي نراها ظاهرة للعِيان في بعض المجتمعات الملتزمة اهتمامَ كثير منهم بإصلاح الظاهر، وخصوصاً لمن يدخل حديثاً في سلك الالتزام، وينتظم في سلك الصالحين، مع أنَّ هذا الرجل بحاجة ماسَّة إلى إصلاح الباطن أولاً مع أهميَّة إصلاح الظاهر ولا شك ، ولكنَّ المنهج التربوي الصحيح يقضي بأهميَّة القيام بإصلاح القلب والباطن.

ومن المؤكَّد حتماً أنَّه في حال إصلاح القلب سينعكس ذلك إيجابياً على ظاهر الشخص ، فيتأكَّد إذاً أهميَّة الاهتمام بالجوهر قبل المظهر ، ومن المهم أن نعلم أنَّ المعاصي الباطنة أشد وأكبر ضرراً من المعاصي الظاهرة؛ ،فمعاصي القلوب قد تكون أشدَّ ضرراً من معاصي الجوارح، مع أن القرآن دعا لإصلاحهما معاً، وترك ظاهر الإثم وباطنه .

الكلمات المفتاحية الخذلان الكسل

مقالات مشابهه

من قسم آخر


التعليقات

ضعي تعليقَكِ هنا

التقيمات

راديو القمة

radio

فيس بوك

a
;