البيعات النبوية ومقوّمات الدولة الإسلامية

البيعات النبوية ومقوّمات الدولة الإسلامية

مقوّمات الدولة الإسلامية خمسة: بناء المسجد النبوي لاجتماع المسلمين في الصلاة وليكون مقرًّا للمشاورات لاتخاذ القرارات المصيرية، والتآخي بين المهاجرين والأنصار؛ لأن الاتحاد يبني دولة ويصنع حضارة، والصحيفة المدنية لتكون أول دستور مدني ينظم العلاقات بين مواطني المدينة، ويقرر الحرية الدينية والحقوق والواجبات لشركاء الوطن، وتشريع القتال لدفع أي تهديد يمس سيادة الدولة، ثم المقوم الخامس وهو البيعات النبوية.

والبيعة هي المعاهدة على الطاعة والعمل بالكتاب والسنّة، وتكون لله وللرسول وللحاكم، ووردت في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}، وفي قوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ}.

وتُحدَّد البيعة بأمور معينة كالعبادة والطاعة ومحاسن الأخلاق، يقول عوف بن مالك: "كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّه تسعة أو ثمانية، فَقَالَ: أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا، وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَتُطِيعُوا، وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا"، وعبارة "لا تسألوا الناس شيئا" دعوة نبوية إلى العمل والاعتماد على النفس، فغير مستحب أن يعتمد الإنسان على غيره، وهذا لا يتعارض مع الحث على مساعدة الآخرين، فالله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه، لكن ثمة فرقا بين أن يساعد الإنسان غيره وأن يسأل الإنسان الناس حاجته، فالمساعدة من تلقاء النفس أمر مستحب، وسؤال الناس أمر غير مستحب، ويبدو أن أصحاب البيعة قد وعوا مقصد النبي جيدا فعملوا به، يقول عوف: "فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ، يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ"، والسوط كالعصا للضرب لكنه من الجلد.

- وبيعات النبي كثيرة، أشهرها ست بيعات تمّتْ في مكة، ثلاث منها قبل الهجرة، وثلاث بعد الهجرة.

البيعة الأولى: بيعة العقبة الأولى:

ــ في ظل أذى المشركين له في مكة كان النبي يتوسّم في أهل يثرب خـيرا، فكان يطوف بين الحُجّاج يدعوهم إلى الإسلام، حتى نجح في إسلام ستة من الأنصار سنة 11 من البعثة، وفي العام التالي التقى اثني عشر منهم عند العقبة بمنى، فقال لهم: "تَعالَوا بايعوني علَى أنْ لا تُشرِكوا باللَّهِ شيئاً، ولا تَسرِقوا، ولا تَزْنوا، ولا تَقتُلوا أولادَكُم، ولا تأتُوا بِبُهتانٍ تَفتَرونَهُ بين أيديكُم وأرْجُلِكُم، ولا تَعصوني في مَعروفٍ، فمن وفَى منكُم فأجرُهُ على اللَّهِ، ومن أصابَ من ذلكَ شيئاً فَعوقِبَ بهِ في الدُّنيا فهُو لَه كَفَّارَةٌ، ومن أصابَ من ذلك شيئاً فسَتَرَهُ اللَّهُ فأمْرُهُ إلى اللَّهِ، إنْ شاءَ عاقَبَهُ، وإنْ شاءَ عفا عنه".

يبدو لنا من نص المبايعة أن النبيّ كان حريصا أولاً على ترسيخ العقيدة الإسلاميّة في نفوس المُبايعين، فبدأ بـ"عدم الإشراك بالله"؛ لأن العقيدة الصحيحة أساس رسالة الإسلام، فالعمل الصالح بدون عقيدة صحيحة لا قيمة له في الآخرة، إنما يثاب صاحبه به في الدنيا، ولأن الأخلاق النبيلة والقيم السامية تبني الأمّة وتسمو بالمجتمع وتصنع الحضارة نهى النبي عن مساوئ الأخلاق، فنهى عن السّرقة والزّنا وقتل الأولاد وإتيان البهتان (الزور والباطل والاتهام الكاذب)؛ ثم نبّه النبي على أهميّة طاعته بالمعروف، ومع أنّه منزه عن المنكر، ولا يأمر إلّا بالمعروف ذكر كلمة "معروف"؛ لأن أصحاب المبايعة لم يعرفوه جيدا، فهم حديثو عهد به، فكان يَخشَى ألا يقبلوا طاعته بشكل مطلق، فخصّ طاعته بالمعروف، وهذا من باب التواضع عند رسول الله؛ والأصل في علاقة الحاكم بالمحكوم وجوب الطاعة له في المعروف، فطاعة الحاكم في تحقيق المصالح العليا للدولة واجبة، ثم بيّـن النبي جزاء الالتزام ببنود البيعة وهو الأجر من الله، وجزاء التقصير والعصيان، وهو العقاب، وأن عقاب الدنيا المتمثل في إقامة الحــدّ كفّارة للذنب، وسِترُ اللهِ للعبد رحمةٌ، فلا يفضح نفسه، وأمره إلى الله في معاقبته أو في رحمته، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه، فما أجمل هذا الدين.

الكلمات المفتاحية المبيعات النبوية مقومات الدولة

مقالات مشابهه

من قسم آخر


التعليقات

ضعي تعليقَكِ هنا

التقيمات

راديو القمة

radio

فيس بوك

a
;